مواقف طريفة من حياة الدعوة
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم/ خميس المكدمي
ــــــــــــــــــــــــــــــ
زائر من الفضاء
في يوم ماطر جميل ، وقفت أمام نافذة غرفتي أرقُب المنظرَ الآسر الرائع ، السحبَ ببياضها المشوبِ بالسواد ، وقطرات الرذاذ التي تحاكي لونَ اللؤلؤ البراق، والريح الخفيفة الباردة المتسربة للغرفة من ثقوب شبّاك النافذة ، كان كل شيء يبدو رائعا ، ولم يقطع تأملي إلا جسمٌ غريب أسودٌ لمحته قد عبر بسرعة كومضة برق من أمامي وأنا واقف على النافذة!
كنت أتمنى لو استطعت النفادَ من بين الثقوب الصغيرة ، لأتبين حقيقته، لم أستطع لمحه جيدا، سرحت فيه ماذا يكون يا ترى ؟
أيعقل أن يكون طبقا طائرا كتلك التي كنّا نشاهدها في حلقات “رعد العملاق” حينما كنا صغارا ، لا لا .. لا أظن، أو ربما يكون كيسا أسودا عبثت به الريح الهوجاء التي عهدناها حينما تعقب هطول أمطار غزيرة على وديان يقاء ، لا لا أظن حاولت أن أخرص رجما بالغيب، ولكن دون جدوى، آثرت نسيان شأنه ، ومواصلة التأمل.
لم تكن همتي همة قعساء كالباقين، كان مسجدنا يبعد قرابة ٣٠٠م عن منزلنا ، حينها لم أحسن تقدير وقت إقامة الصلاة ، وقد ضاق بي ، كان يتراءى لي مؤذنُ المسجد بلحيته الكثة التي أكسبته مهابة ووقارا ، وهو يتأهب لإقامة الصلاة ، ولا يسمح بدقيقة انتظار حتى يقيمها ، ورغم جاهزيتي واستعدادي بالوضوء للصلاة ، كان عليََّّّ أن أدور بالمنزل مرات عدة بحثا عن حذائي ،رغم أني متأكد بما لا يدع مجالا للريب أني تركته في موضعه المعتاد، ومع ذلك صعُب العثور عليه!.
في هذا الأثناء كانت بوادر فرج تلوح في الأفق ، حين أبصرت ولدي ذا الإثني عشر ربيعا ، فابتدرته بسؤال راجٍ مستوضحٍ عنه- أعني الحذاء- ، فقال على عجل:
قبل قليل كنا نتقاذف بها أنا وأختي الصغيرة ، كدت أتميز من الغيظ ، فلم يكن ذلك الجسم الغريب الذي حيرني وشاهدته عابرا أمام نافذتي، طبقا طائرا أو كيسا أسودا ، فما هو إلا فردة حذائي التي أدركني جهد وعناء وأنا أبحث عنها ، هداهم الله يتقاذفان بها ، ولم أجد بداً من كتم غيظي ، كيف لا؟ وأنا الآن على أهبة استعداد للصلاة ، ثم أضمرت في نفسي محاسبتهما فور عودتي.
أخذتها وانطلقت ، وقبل أن أخرج من باب سور منزلنا ،إذ بولدي ذو الثلاثة أعوام يجري خلفي ، فقلت:هذا ما كان ينقصني!!
ألا يكفي تأخري عن صلاة الجماعة؟ ثم فجًّر مفاجأة من العيار الثقيل قائلا: خذني معك.
فابتدرتُه بسؤال يلفه الإشفاق والذهول إلى أين؟
قال:إلى المسجد معك لأصلي.
عصفت بنفسي رياح الحيرة ، وتقاذفتني أمواج الظنون، فالمسجد بعيد ، والمطر يهطل، والرياح تهب بردا يصك الأسنان ، وهو حاف ، ورأسه عار ، والمسافة بعيدة، وفوق ذلك فأنا متأخر جدا فأنى لي حمله على منكبي ووقت الإقامة أوشك على الدخول؟
هنا خطر بذهني أن أحاوره وأستعمِل معه الدبلوماسية، فربما أستطيع على الأقل إقناعه اليوم وخيرا إلى الغد.
قلت له: مازلت صغيرا وحين تكبر سآخذك.
فتمطى بكل براءة وقال: أنظر فقد كبرت الآن.
اضطررت للابتسام المترع بالحنق وأنا أحدق في الباجيرو الذي كاد أن يطلق قهقهة هو الآخر من أعماقه وقلت للصغير:
ما أسرعك أكبرت بين عشية وضحاها!؟
فشلت محاولتي الأولى معه فشلا ذريعا ، وآن الأوان للبحث عن وسيلة مقنعة ثانية، فقلت لن أخسر هذه المرة ، سأستخدم معه أسلوب الإغراء ، فهو أسلوب ذو نتيجة فاعلة، قلت له: ما رأيك سأشتري لك حلوى إن عدت هذه المرة ، وسآخذك في المرات القادمة إن شاء الله؟ فقال:الحلاوة تسوس الأسنان وتخرب الضروس
وكانت هذه أشد وقعا علي من سابقتها.
آه ..الآن تخرِّب الضروس ولم تخربها حين احتملت من (رامز العالمية) ما ناء به جيبك الصغير وحمَّلني عبأه الكبير.
ولأني إخال المؤذن قد أقام للصلاة، أردفته على منكبي والغيظ يملؤني ، وحين تمكن فوق منكبي تنفس الصعداء ثم قال بغضب : أنت تتعبني كثيرا يا أبي.
فقلت له وأنا لا ألوي على شيء: من يتعب من؟أأنا أتعبك أيها النحيس؟
ظل مشهد إلحاحه لأخذه يتكرر كل صلاة ، وكنت أتعمد التبكير لأخذه، وأشفق عليه كثيرا، لولا سؤاله عن النقير، والقطمير، وعن سور الجيران لم تم صبغه بلون الرماد، ولم سور صاحبي ذو ارتفاع كبير ، وغيرها من الأسئلة التي تقطع الأنفاس، وكان دائما يهددني بعدم محبة الله لي ، إن لم أصحبه وغيرها.
هنا قفزت في ذهني فكرة، وراقت لي لأبعد مدى، فقد جربت أن أمتنع مرة عن أخذه، وتركته يوغل في إلحاحه، ويتملق تارة، ويزبد ويرعد تارة أخرى، ثم قلت له:
سنتفق على حل هذه المعضلة وبشكل دائم ، بشرط بسيط نتفق عليه.
فقال: هات شرطك.
قلت له: من طرفي لا بأس سأحملك كل صلاة على منكبي جيئة وذهابا، ومن طرفك عليك أن تردد معي سورة الفاتحة طول الطريق وتم الاتفاق واستقرت القلوب ووفى كل منا بشرطه وبحمد الله وماشاء الله تمكن من حفظ سورة الفاتحة وسورا أخرى في مشوار كنا نقطعه معا في ثلاث دقائق إلى المسجد.